من أعماله

من الجاني؟..

تمثيلية من فصل واحد · مجلة البعثة، العدد السادس — مايو ١٩٤٧ · ص ١١٤–١١٥ من المجلد

العودة إلى «أعماله»

الأشخاص

خالد
ولد متشرد، عمره سبعة عشر عاماً
نجيب
ابن عمه — أستاذ
سعيد
صديق لنجيب — أستاذ
علي
صديق لوالد خالد
والد خالد
رجل ثريّ

(المنظر: شارع صغير قليل المرور)

(يقبل علي ومعه خالد — يجرّه، والتعب بادٍ عليهما)

علي: لقد أنهكت قواي… خمسة أيام وأنا أبحث عنك.

خالد (باكياً): أتركني أرجوك… والله لم أسرق.

(يقابلهم سعيد فيستنجد به خالد)

خالد: أرجوك يا سعيد أن تنقذني، أرجوك.

سعيد (مستغرباً): خالد! (لعليّ) لماذا تقوده بهذا الشكل؟

علي (واقفاً): لأنه لصّ والعياذ بالله.

سعيد: لصّ!؟ من يقول هذا؟

علي: والده يتهمه، وقد أمرني أن أبحث عنه وأحضره إليه.

خالد (باكياً): والله ما أنا بلصّ.

سعيد: أرجوك أن تحلّ الكوفية عن رقبته ليتكلم.

علي: لا يا أستاذ، أخاف أن يهرب.

سعيد: أنا أتكفّله. (يحلّ الكوفية) قل لي يا خالد ولا تخف شيئاً.

خالد (باكياً): ماذا أقول يا أستاذ؟

علي (بصوت مرتفع): قل الحقيقة.

خالد: نعم سرقت (يبكي) ولكن رغماً عني.

سعيد: ولكن لا بدّ من سبب لهذه السرقة.

خالد (مطرقاً): لأدفع أجرة البيت الذي أسكنه.

سعيد: وهل تسكن خارج بيت والدك؟ لماذا؟

خالد: لأني لا أطيق السكنى مع من يحتقرني على الدوام.

علي: إنك تستحق الاحتقار، لأنك تأكل وتشرب وتلبس على حساب غيرك وليس لديك عمل أو شغل.

سعيد: وهل علم ابن عمه نجيب بخبره؟

علي: نعم، لقد أخبره والده هذا النهار. (يلتفت ويرى والد خالد ونجيب مقبلين) ها هو ذا مقبل مع عمه. (ينادي والد خالد) أسرع يا أبا خالد، لقد وجدت ولدك. (يقبل أبو خالد ويحاول ضرب ابنه فيمنعه سعيد ونجيب)

الوالد: دعوني أضربه لأشفي غليلي منه.

سعيد: تمهّل، لماذا؟ أليس هو ولدك؟!

الوالد (بحنق): ولدي هو الذي يحافظ على سمعتي وشرفي، أما هذا فإني براء منه. (يحاول ضربه)

نجيب (يمسك عمه): تمهّل يا عمي، أليس في قلبك قليل من الرحمة؟

خالد (يتشبث بنجيب): نجيب ارحمني، ليس لي أحد غيرك.

الوالد: ابن عمك لا يقبل حماية السارق أو الشرير.

نجيب: لا يا عمي، لا تقل هذا الكلام، فهو ليس بشرير ولا سارق. في الحقيقة إن لكل شيء سبباً…

الوالد: هل يمكنك أن تقول ما سبب سلوكه هذا؟!

نجيب: نعم، وبكل صراحة: تربيتك يا عمي هي السبب.

علي (باستغراب): تربيته؟ ماذا تقول؟ (لسعيد) كيف يكون هذا؟!

سعيد: وهل في هذا شك؟ انظر، هذا نجيب أليس هو ابن عم خالد؟ إنه أستاذ محترم يؤدي واجبه نحو وطنه وأبنائه، وهذا المسكين جاهل محتقَر… لماذا؟ لأن الأول اعتنى به والده وعلّمه، والآخر أهمله والده فعاش في الشوارع وتخلّق بأخلاق أبنائها.

علي: لقد صدق القائل: من زرع حصد.

الوالد (بغضب): ماذا تقول؟!

علي: أقول هذا زرعك… وكفى.

نجيب: نعم، هذه آثار إهمالك له يا عمي. يعرض الآباء عن تعليم أبنائهم الأبرياء فيكون مصيرهم ظلمات السجون.

الوالد (بغضب): دعك من هذا الكلام، خذه يا علي إلى البيت لأريه كيف يكون العقاب.

علي (بتأثر): لا والله، لست بممتثل أمرك يا أبا خالد، وأنا أنصحك بأن تستمع إلى أقوالهما إن أردت الصالح لنفسك ولولدك ولسمعتك.

الوالد (متأثراً): حتى أنت أيها الصديق… انقلبت عليّ!…

علي: لا يا أبا خالد، ما قلته لك هو الذي يجب أن يقوله الصديق المخلص لصديقه. وإلا ما معنى الصديق إن لم يكن ناصحاً بالخير رادعاً عن الشر؟ و…

الوالد (مقاطعاً): كفى… هذه نهاية الزمن كما يقولون…

علي: أنت حرّ… لقد ساعدتك عندما كنت أجهل مسبّبات الشر، لكن عندما عرفت أن التربية السيئة لها هذا الأثر الفعّال في تكوين الرجال عدلت عن رأيي… وأرجو أن تحاول من الآن إصلاح ما أفسدته يداك.

سعيد: قل لي يا أبا خالد، هل لك أن تبيّن لنا ما هي وجهة نظرك في عدم إدخال ابنك المدرسة وأنت ذو ثروة عظيمة؟

الوالد (بتأثر): ظننت أن الثروة فوق كل شيء وأنها تغطّي كل عيب في الإنسان… (بغضب) ولكن دعونا من هذا… أريد أن أعرف السبب الذي من أجله ترك بيتنا ثم عاد ليسرقنا…

نجيب: أنا أقول لك السبب… لأنه لم يكن محترماً بينكم.

الوالد: وكيف عرفت ذلك؟!

نجيب: كثيراً ما سمعتك تناديه بالمجنون، وكثيراً ما سمعت أهل البيت يلقّبونه بالأبله. لماذا؟ لأنه ليس لديه عمل يرفع رأسه ويستطيع به أن يشاطركم ولو بالقليل من تكاليف الحياة… فترككم وفضّل السكنى وحيداً.

الوالد (بتهكّم): إنه في منتهى البلادة! أيأنف أن نقضي له جميع ما يحتاجه وهو في أتمّ الراحة والاطمئنان؟

سعيد: الراحة ليست راحة الجسم أو الاعتماد على الغير، وإنما هي راحة البال والاعتماد على النفس بعد الله.

الوالد (بتهكّم): طيب… دعونا من هذا الكلام الذي لا يعرفه إلا أولاد هذا الزمن. (لخالد) قل لي، لمّا صرت وحيداً وليست لديك نقود، من أين كنت تحصل على الطعام؟

خالد (مطرقاً): اشتغلت مع البنّائين ثلاثة أيام متتالية.

الوالد: وبعد ذلك؟!

نجيب: ترك الشغل لأنه لم يقوَ على حرارة الشمس والتعب الشديد، فأخذ يبحث عن عمل أقلّ مشقة ولو كان فرّاشاً.

الوالد (بغضب): ابني يشتغل فرّاشاً؟! أين الثروة والعزّ والجاه؟! أيكون خادماً للناس؟! الله… الله…

نجيب: نعم، لأن الثروة ليست كل شيء في الحياة، فهي عرض زائل، أما العلم والأدب فهما الكنز الذي لا يفنى. وها أنت ذا ترى ما حلّ بابن الثروة والعزّ والجاه كما تقول.

الوالد (بتأثر): لا حول ولا قوة إلا بالله. (لنفسه) ابني يشتغل فرّاشاً؟!

سعيد: لا — ذاك قديماً يشتغل فرّاشاً، ذاك في زمنكم أنتم. أما في زمننا هذا فإنه لا يمكنك أن تجد أحداً يقبل استخدام أمّيّ لا يعرف القراءة والكتابة.

نجيب (معلقاً): وهذا هو السبب الذي حدا بابنك إلى السرقة، لأنه لم يجد عملاً يقتات من ورائه، فعمد إلى سرقتكم لأنها أهون في نظره من سرقة الناس… ليدفع أجرة البيت الذي يسكنه ويسدّ رمقه بالباقي.

سعيد: ومع ذلك لم ينجُ المسكين، فقد أخذ يطارده أهله في كل مكان ليوقعوا عليه العذاب الأليم، بينما هم الجناة على نفسه البريئة.

الوالد (بتأثر): حقاً يا سعيد، إني أعترف الآن بخطئي وأقرّ بأني أنا المذنب في حق ابني، لأني لم أعرف أن لكل وقت لبوساً. فقد أهملته لا عمداً مني ولكن جهلاً بالمستقبل الذي لا يقوى عليه إلا من كان سلاحه العلم والأدب. (لولده) ولكن سأجعل ثروتي تحت تصرّف من يعلّمك وينتشلك مما أنت فيه.

خالد: لقد فات زمن التعلّم، وا أسفاه! إذ أني لا أستطيع أن أجاري من هم أصغر مني سنّاً.

نجيب: لا… لا يا خالد. فالعلم ليست له سنّ معينة، والمرء تلميذ في مدرسة الحياة لا يخرج منها إلا بالموت. فما عليك إلا أن تتبع القول المأثور: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد».

(ينزل الستار)

حمد رجيب

الصفحتان الأصليتان

الصفحة ١١٤ من مجلة البعثة
ص ١١٤
الصفحة ١١٥ من مجلة البعثة
ص ١١٥

اضغط على أي صفحة لتكبيرها.

مشاركة
واتساب إكس

نُشرت هذه التمثيلية في مجلة «البعثة» — النشرة الثقافية الشهرية الصادرة عن بيت الكويت في القاهرة، العدد السادس من السنة الأولى، مايو ١٩٤٧، الصفحتان ١١٤ و١١٥ من المجلد (الترقيم متصل عبر السنة، لا ترقيم العدد المفرد عند صدوره). المجلد جمعه وأعاد طباعته مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت ١٩٩٧. نُقل النص عن الأصل، ومن يجد فيه سقطاً أو تحريفاً يسعدنا أن يوافينا به.