كثيراً ما تكون المخابئ المظلمة والكهوف الموحشة حاميةً لفكرة مجيدة، فليس كل من اختبأ في كهف أو مغارة يُعدّ مجرماً طريداً للعدالة… ولكن… لو رآني هناك أحد من الذين يرجمون بالغيب من الناس لحكم عليّ من دون تردد أنني من أولئك اللصوص أو المجرمين.
وسكت الفتى لحظة بعد أن فاه بهذه العبارات، ثم أرسلها زفرة حارة من قلب مفجوع… وعاد يحمد الله على أن نجّاه مما كاد يصيبه، وعلى أن هداه إلى هذه المغارة يحتمي بها إلى أن يطلع الفجر فيلحق بإحدى القوافل التي تمرّ من هذا الطريق. واستطرد وهو يستعيد ذكرياته:
كنت أُشعل سيجارتي عندما سمعت صوتاً غير بعيد مني أثاره النور الذي انبعث من عود الثقاب، فأرسلت بصري خلال الظلام الحالك لعلّي أعرف مصدره، وعاودت إشعال السيجارة وأخذت أدخّن بهدوء وحذر… إن كل ما في هذه المغارة يوحي بالخوف والقلق… ظلامها الدامس الذي لا أعرف منه للمغارة حدوداً، وتلك المسارب الضيقة التي ينحبس فيها الهواء مرة وينفلت أخرى، وتلك الأصوات الغريبة التي تنبعث من شقوق جدرانها. كل ذلك جعلني أُرهف الحسّ وأنا ممسك بمقبض سكيني لأدرأ عن نفسي ما قد يرميني به هذا الإبهام الذي يحيط بي من كل مكان.
وفجأة شعرت بضربة قوية طُبعت على صدري جعلتني أقفز إلى الأمام وأنا ألوّح بسكيني يمنةً ويسرة، ثم وقفت أحتمي بأحد أركان المغارة، وأنا أتلمّس موضع الضربة من صدري فأُحسّ برطوبة لزجة خلّفتها تلك الضربة المفاجئة، وتذكّرت أنني حين أُصبت بالضربة تزحلقت الأداة التي ضُربت بها إلى الأرض برفق… إذن فلا بدّ أنني ضُربت بأداة ليست من حجارة أو من حديد أو خشب.
وأشعلت عوداً من الثقاب، أخذت أسير على هدى ضوئه إلى حيث أصابتني تلك الضربة، وهناك وجدت تلك الأداة… لقد كانت أداةً لم تخطر على بالي، أثارت في نفسي الرعب والفزع… لقد كانت يد طفل رضيع انتُزعت من جسمها. فمددت يدي إليها على ضوء الثقاب الخافت، فإذا بضربة أخرى تفاجئني فأمسكت يدي عنها، وعدت إلى أعواد الثقاب أُشعل الواحد تلو الآخر لأعرف مصدر هذه الرميات، وأشلاء الطفل الأخرى تتطاير حولي. وأخذت أُسرع الخطا نحو الجهة التي تأتيني منها الأشلاء حتى لمحت فجأة أطراف ثوب تطلّ من منحنى ليس ببعيد عني، فتوقفت قليلاً لأتأكد مما رأيت، ثم تقدّمت ويدي على مقبض سكيني، واستدرت لأكون أمام المنحنى، ورفعت النور الباهت لأتحقق مما رأيت، وإذا بي وجهاً لوجه أمام فتاة جميلة قوية البنية، على وجهها ثورة من الغضب والألم. تقدّمت إليها بثبات وحذر وأمسكت بها بعنف وأنا أسألها عن سبب اختبائها هنا وارتكابها تلك الفعلة الفظيعة، فلم تردّ عليّ بشيء، بل أخذت ترمقني بنظرات حداد وهي ترتجف من الحقد والغيظ. ولما حاولت أن أُخرجها من المغارة إلى خارجها حيث نور القمر امتنعت وهي تقول: إن كنت تخشى الظلام فمعي شمعة يمكنك أن تحدّثني على ضوئها. ثم أفلتت من قبضتي وجلست تُشعل الشمعة وهي تقول: وأنت… لماذا جئت إلى هنا؟ إن ثيابك الزاهية النظيفة ذات الرائحة الزكية تدلّ على أنك لست من المجرمين.
فقلت: دعيني مما أنا فيه… وأخبريني لماذا مزّقتِ الطفل البريء؟
فردّت في غيظ وتحدٍّ: إنه ابني، وليس لأحد الحق في أن يعترض عليّ.
فزادت دهشتي وأنا أقول: كيف يهون عليك ابنك؟ ويحكِ! ما ذلك أيتها المتوحشة؟
وسكتت هنيهة ثم قالت بألم مكبوت: وكيف يهون على أهلي أن يُهدوني إلى رجل الموت أقرب إليه من الحياة، بغية أن ألد منه ولداً يرث أمواله؟ إنني لا أقتل ابني… ولكن أقتل جشعهم البغيض كما قتلوا أملي في الحياة. إنني أقتله انتقاماً وتشفّياً من أولئك الذين سلبوني حريتي، كما أقتله رحمةً به لئلا يشقى في محنتي ما دمت قد صمّمت على الفرار.
وسكتت مرة أخرى ثم عادت تقول: لقد رميتك بأشلائه لأُخيفك لتهرب من هذه المغارة، إلا أنه يُخيَّل إليّ أن المصيبة التي أرسلتك إلى هنا أفدح مما أردت تخويفك به.
فأجبتها: كان الأولى بكِ يا فتاتي أن تنتقمي — إن كان لا بدّ من الانتقام — ممن كان السبب في شقائك، لا أن تقتلي طفلاً بريئاً لم يجنِ ذنباً. لقد أتيتِ ما أتيتِ يدفعك إعصار من الكيد والحقد الأعمى، فانطلقتِ تنشدين التشفّي والانتقام وحسب، ولم يترك لكِ ذلك الإعصار الهائج فرصةً تفكّرين فيها تفكيراً متزناً لتحدّدي تصرفاتك وتعرفي من هم الذين يجب أن يتحمّلوا الجزاء، ولم ترَي أمامك سوى هذا الطفل الذي لا يدرك من الوجود شيئاً، فأوقعتِ به عقابك الطائش، وصببتِ عليه جام نقمتك المجنونة، وظننتِ بعد هذا أنك انتصرتِ حين أوقعتِ الجزاء على نفسك.
وفجأة احتقن وجه الفتاة واربدّ، ورفعت يدها في وجهي وهي تصيح: كفى… كفى… لا أريد أن أسمع مثل هذا. أحسبني انتقمت من أهلي وزوجي، وأحبطت كيدهم وأفسدت تدبيرهم…
وأدركت أنا أنها بدأت تستيقظ من ذهول المعركة النفسية التي كانت تواجهها، وفهمت حقيقة ما صنعت. ولا أدري هل هذا هو الذي دفعني إلى الاستمرار في الكلام… فقلت وأنا لا أحسب لنتائج حسابها:
إنكِ واهمة، لقد انتقمتِ من نفسك، وقضيتِ على الوشيجة الوحيدة الباقية التي تربطك بالحياة. فلو كنتِ أبقيتِ على طفلك لكان لكِ أمل تعيشين له يخفّف عنك بؤس الحياة وشقاءها… أتحسبين أنك قادرة على العيش بعد الآن… بلا أمل؟
وأطرقت رأسها الجميل إلى الأرض، بينما استطردت أقول: كلانا يا سيدتي ضحية من ضحايا المجتمع، ونتيجة من نتائج أخطائه. أنا وأنتِ عشنا في عالم ساده التزمّت، ولقد سرنا في طريق مرسوم قُضي علينا أن نسير فيه. فأنا مثلاً وُلدت ورُبّيت في بيت امتاز بالثروة والجاه، وفهمت الحياة أول ما فهمتها على أنها مال وكبرياء، وكانت النعرة الفردية والعائلية تسود المجتمع، فخطر لي أن أُحارب تلك النعرة، فأخذت على عاتقي أن أُوسّع نظرة الناس في فهم الحياة، ورحت أُبشّر بالسواسية بينهم، وبأنهم عنصر واحد وأمة واحدة، لا فرق بين غنيّهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم، إلا بالصلاح والتقوى، وأن أحسن الناس أحسنهم للناس.
ومضيت يا سيدتي في ركب الحياة… ولما أراد أهلي أن يزوّجوني كانت القضية عندهم تنحصر في شيئين: الأول أن تكون الزوجة غنية واسعة الثراء، والثاني أن تكون فتاة بالذات من قريباتي، أما ما عدا ذلك فقد أُسقط من الحساب.
وكنت أجهل كل شيء عن الفتاة التي خُطبت لي وأُرغمت على الزواج منها، وبالطبع رفضت الانصياع لأمر أهلي وقرّرت أن أُنفّذ بالفعل ما أدعو إليه بالقول مبتدئاً بنفسي، وأن أجعل من فكرتي المجردة صنيعاً حياً يُضرب مثلاً في المساواة والقضاء على الفروق. واخترت فتاة فقيرة معدمة إلا من فضائل الخلق القويم، والأدب الرفيع، والسمعة الحسنة.
وهذه هي ليلة زواجي أقضيها في هذا الكهف… فقد اعترض أهلي عليّ ووقفوا في طريقي وهدّدوني بالموت إن أقدمت على ما عزمت عليه. ولما كنت أعلم أن المؤمنين مُبتلَون فقد صمّمت على المضيّ في خطتي، ولكن ذلك لم يثنهم. كانوا متطرفين ضيّقي الأفق، وكنت متعصباً لرأيي، شأني في ذلك شأن كل من يلد فكرة جديدة يحنو عليها حنوّه على فلذة كبده، ويدفع عنها دفاعه عن نفسه. وأرسلوا لي الليلة البارحة يقولون إنهم سيقضون عليّ، فلم أُعر تهديدهم التفاتاً، واستكملت استعدادي، وهيّأت شأني، وزيّنت الدار، وأقمت حفلة الزواج. وفيما كنا في ذلك، إذ هجم عليّ بعض الشبان ممن حرّضهم أهلي واستأجروهم لقتلي بالعصيّ والمُدى، ولكني استطعت الإفلات منهم وهربت من الدار باحثاً عن ملجأ يعصمني من الناس…
وها هو ذا القدر يا سيدتي يسوقني إلى هذه المغارة المظلمة حيث رأيت العجب العجاب: أُمّاً تقتل ولدها وتضرب الناس بأشلائه.
وتوقفت عن الكلام، فسمعت الفتاة تقول كمن تحدّث نفسها: انتقمت من نفسي؟! لست قادرة على الحياة بعد هذا الآن؟!
وسكتت لحظات ثم أخذت تهذي وتهرف، منددةً بفظاعة جرمها، نادمةً على ما فعلت، وكانت تبكي بكاءً محرقاً يقطع نياط القلب.
ولم أجد ما أستطيع أن أفعله لها، فرحت في تفكير عميق، انتهيت منه على حركة الفتاة التي قامت تبحث عن الأشلاء. ولما وجدت رِجلاً من رِجلَي طفلها احتضنتها تناغيه وتدلّله وتحدّثه حديث الأمهات لأطفالهنّ، فلم أشكّ عندئذ أنها قد جُنّت. وراحت بعد ذلك تجمع الأشلاء واحداً واحداً، ودموعها المنهمرة ونشيجها المحزن يزيدان في رهبة الموقف والمكان… هذا المكان الذي لا يبدّد سُجُف ظلامه الدامس غير ذُبالة شاحبة تُضفي عليه وحشة ورعباً. وتركت الفتاة لما هي فيه وذهبت أُخفي أشلاء الطفل في زاوية من زوايا المغارة حتى لا يقع بصرها عليها مرة أخرى.
وفي مثل لمح البرق الخاطف حدث مرة أخرى ما لم أتوقّعه، فقد هجمت الفتاة عليّ وانتزعت سكيني من حزامي، وقبل أن أُفيق من ذهولي راحت تطعن صدرها بالسكين الحادة طعنات متوالية وهي تولول:
— ولدي… ولدي… أريد ولدي…
ووقعت على الأرض، فانحنيت عليها أتحسّس أنفاسها، فإذا بها جثة هامدة.
وجمعت أشلاء الطفل إلى جثة الأم في حفرة خارج الكهف، وعندما أهلت عليهما آخر حفنة من التراب، كانت الشمس تُرسل أشعتها الصفراء على التلال…